ميرزا محسن آل عصفور
15
ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة في ظل إمامة المهدي المنتظر ( ع )
الوظيفتين المزدوجتين تجاه ولده عليه السلام تعرضه لأضواء السلطة ومراقبتهم الدائمة له ، وباعتباره القائد الإسلامي لقواعد شعبية واسعة من المسلمين ، وتمثيله لجبهة الرفض المعارضة والمناوئة للسلطة الحاكمة آنذاك . ومن هنا كان تخطيط الإمام عليه السلام في اجتياز هذا المأزق بسلام هو ترك الإعلان أو الكشف عن ولادة ابنه عليه السلام وكأن شيئا لم يحدث على الإطلاق « حتى أن الخادم في بيت الإمام العسكري لم ينتبه إلى شيء ولم يفهم شيئا » 4 . ومما ساعد الإمام العسكري وأعانه على نجاح خطة إخفاء الولادة احتجابه عن أصحابه ومواليه إلا بواسطة المراسلات ، وتعود قواعده ومواليه على فكرة الإحتجاب والاتصال بقيادة الإمام عن طريق نظام الوكلاء وتسلسله الهرمي ، وانشغال الدولة وأجهزتها بحركة صاحب الزنج عام 255 ه . وإلى هنا استطاع العسكري عليه السلام أن يضمن حماية ولده عليه السلام من بطش السلطة وكل من يدور في فلكهم . وكان الإمام عليه السلام يلزم كل من يطلع على أمر ولادة ولده المهدي عليه السلام بوجوب الكتمان ، وقد كتب الإمام العسكري عليه السلام لأحمد بن إسحاق : « ولد لنا مولود ، فليكن عندك مستورا وعن جميع الناس مكتوما » 5 . والتأكيد على حرمة اطلاع أحد على اسمه عليه السلام وكان عثمان بن سعيد العمري يقول لمن يسأل عن اسم الإمام عليه السلام « إيّاك أن تبحث عن هذا » 6 . وكان الإمام عليه السلام يحتاط كثيرا من التصريح باسمه لأحد ويكتفي بالقول لهم : « هذا صاحبكم » ويقتصر في التصريح باسمه على أقل القليل من أصحابه . وكان يكفي - في علم الإمام - هذا القدر من الاطلاع وإن كان الاسم مجهولا ، بل يكفيهم الإيمان بوجود إمام يرجعون إليه في الأحكام والمشاكل ، ولا يتوقف ذلك على معرفة اسمه بعد معرفة شخصه وإمكان الاتصال به عن طريق سفرائه . ولعلّ أوسع إعلان قام به الإمام العسكري عليه السلام بين أصحابه عن ولادة ابنه ما كان منه قبيل وفاته بأيام ، حيث كان مجلسه غاصّا بأربعين من أصحابه ومخلصيه منهم محمد بن عثمان ومعاوية بن حكيم ومحمد بن أيوب . . . فعرض عليهم ابنه عليه السلام وهو يقول لهم : « هذا صاحبكم بعدي وخليفتي عليكم . . . وهو القائم الذي تمدّ إليه الأعناق بالإنتظار ، فإذا امتلأت الأرض جورا وظلما خرج فملأها قسطا وعدلا » 7 8 .